د. الباقر عبد القيوم بكتب…همس الحروف…السعودية سند لا ينكسر في زمن الحاجة ، و أثناء الحرب

التاريخ:

انشر المقالة :

☘️🌹☘️

همس الحروف

السعودية سند لا ينكسر في زمن الحاجة ، و أثناء الحرب
✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

في زمنٍ باتت فيه قيم الإخاء عملة نادرة ، حينما تراجعت المروءة أمام المصالح ، برزت المملكة العربية السعودية كأيقونة للوفاء ، وركن ركين من ثوابت العروبة والإسلام … ففي خضم محنة السودان العصيبة ، لم تكن المملكة غائبة عن الميدان ، وكانت في طليعة من لبى نداء الضمير دون أن يطلب منها ، فحافظت بذلك على العهد وصانت الوعد ، فامتد عطاؤها بالقول والفعل ، وشهد بصدقها القاصي والداني ، لقد أثبتت السعودية أن الإخاء الحق لا يموت ما دامت هناك أوطان تحيا على القيم .

منذ اللحظة الأولى لانفجار نار الحرب في السودان ، لم تقف المملكة العربية السعودية موقف المتفرج ، ولم تختبئ خلف جدران الصمت السياسي ، و كانت أول المبادرين بخطى واضحة ومسؤولة ، كدولة شقيقة ، و داعم حقيقي لحياة السودانيين ، في زمن بات فيه البقاء نفسه معجزة .

في اللحظات الأولى التي تلبدت فيها سماء الخرطوم بدخان حرائق الحرب ، سارعت الرياض عبر مهندس الدبلوماسية سعادة السفير علي بن حسن جعفر إلى نقل سفارتها إلى بورتسودان ، كإجراء دبلوماسي حذر ، و رسالة صريحة مفادها نحن هنا قريبون منكم ، و يمكننا أن نكون فاعلين ، ولم تكتف المملكة بهذا التحرك اللوجستي ، ففتحت معه على أرضها منبر جدة ، ليكون واحداً من أبرز مساعي الحل السياسي في المنطقة ، حيث إجتمعت فيه القوى ، وتداولت في باحاته الرؤى ، تحت رعاية سعودية أمريكية ، وحرصت المملكة على أن تبقي شعلة الحوار مضيئة ، ولو كان ذلك في وسط العتمة .

لم تكن المواقف السعودية حبيسة الدبلوماسية ، فقد تمددت إلى حيث يحتاج الجسد السوداني الجريح إلى شريان يضخ لها الحياة ، ومن هناك هب مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية ، كمنارة في ليل الحاجة ، ولم يتوقف عن إرسال القوافل الغذائية و الإيوائية ، وذهب إلى أبعد من ذلك ، فبعث بالأدوية حين انقطعت عن الصيدليات ، وأرسل الفرق الطبية حين عجزت المشتشفيات عن النهوض ، فأجريت آلاف العمليات الجراحية في ولايات السودان المختلفة ، بجهود سعودية خالصة لا تبتغي من ذلك جزاءً ولا شكوراً .

فقدمت دعماً تنموياً مقدراً للمجال الصحي شمل إعادة تأهيل المستشفيات ، ورفدها بالمعدات ، في كل ولايات السودان ، في وقت بدت فيه هذه المرافق وكأنها شواهد على انهيار كامل ، لولا يد العون التي لم تسحب .

ولأن الموقف الإنساني لا تحده القوانين ، فكسرت المملكة بكل وعي ومسؤولية قواعد و قوانين الهجرة والإقامة المعتادة ، وفتحت أبوابها للسودانيين الهاربين من جحيم الحرب ، و أتاحت لهم الإقامة على أرضها بموجب تأشيرات زيارة عائلية ، لم تكن مجرد استضافة لزائر ، لأنها كانت أشبه بإقامة إنسانية متجددة تُمدد كل ثلاثة أشهر ، في سابقة قلّ نظيرها ، و بذلك تكون قد جسدت عمق التضامن وسمو الموقف ، فالسوداني في أرض المملكة لم يكن لاجئاً ، و لكنه كان أخاً و ضيفاً عزيزاً ، لم يُعامل كغريب بل كصاحب البيت .

الحرب لا تحطم الحجر وحده ، حيث إستهدفت الروح، فلم تغفل المملكة عن الجانب الثقافي ، فكان اسم السودان حاضراً بقوة في الفعاليات الكبرى بالرياض (إنسجام عالمي) ، فكان الثراث السوداني حاضراً ، والموسيقى والفكر في فضاءات تنسجم فيها الجنسيات والأصوات والألوان ، و يأتي ذلك من باب تكريم للهوية السودانية ، وحفظاً لوجهها الإنساني على الرغم من المعاناة .

وفي ذات الأثناء تساقطت الجدران تحت آلة الحرب ، فتقدّمت المملكة العربية السعودية الصفوف برؤية متأنية ، وبخطط مدروسة تستشرف المستقبل قبل أن تلامس الحاضر ، فلم يكن حضورها طارئاً ولا من واقع عاطفي ، و لكن جاء محمولاً على أكتاف فرق فنية وإستشارية أوفدتها لتقرأ ملامح الواقع السوداني بعد العاصفة ، وتستبصر مكامن البناء الممكن … وبين أطلال مستشفيات الخرطوم ومرافق البنية التحتية، شرعت المملكة في غرس لبنات مشروع لا يكتفي بالإغاثة، و يذهب من أبعد.من ذلك ، و يؤسس لمسار تنموي متكامل ، يستعيد للسودان عافيته ، ويعيد تشكيل ملامحه حين تضع الحرب أوزارها. ،فهو إلتزام أخلاقي لا تُحرّكه اللحظة ، و لكن تؤطّره رؤية تضع الإنسان في قلب الاهتمام ، وتعيد للإخاء العربي معناه العميق وفعله المؤثر .

فما قدمته السعودية للسودان لم يكن صدفة عابرة ، فهو موقف ثابت في زمن التقلّب ، فقد اختارت المملكة أن تكون على الضفة الأقرب من المعاناة ، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الجرح ، ولا قيمة تُقدر أكثر من حياة الإنسان ، وفي وقت كانت تتعالى فيه أصوات الدول بالبيانات و الشجب ، كانت السعودية تتحدث بالأفعال ، على الأرض ، وباليد الممتدة .

عموماً ستطوي الحرب صفحاتها في مقبل الأيام القادمات ، و سيحفظ التاريخ سفر مشرق كتبته المملكة بأحرف من نور ، يذكرنا بالدمع الممسوح ، والدواء المنقذ للحياة ، والبيوت التي أُعيد إليها الضوء ، و الوقفة الإنسانية التي كانت من أجل الله .

مقالات ذات صلة

منتخب مصر إلى دور الثمانية بعد فوزه على بنين

حقق المنتخب المصري فوزا على منتخب بنين 3 - 1 في بطولة أفريقيا ليصعد الفراعنة إلى ربع النهائي...

مجلس الوزراء يتبني توصيات ندوة الدبلوماسية الشعبية

أكد ممثل الأمانة العامة لمجلس الوزراء د. آدم الزبير تبنيهم توصيات ندوة ” دورة الدبلوماسية الشعبية في معركة...

من معبر أشكيت.. مدير عام قوات الجمارك يؤكد وقوف قواته مع القوات المسلحة وتسهيل حركة التجارة والعودة الطوعية للركاب

من معبر أشكيت.. مدير عام قوات الجمارك يؤكد وقوف قواته مع القوات المسلحة وتسهيل حركة التجارة والعودة الطوعية...