همس الحروف…مصر بين سطوة الفن و جهل المتحدثين عنها✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

التاريخ:

انشر المقالة :

☘️🌹☘️

همس الحروف
مصر بين سطوة الفن و جهل المتحدثين عنها
✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

لا أريد الحديث عن مصر (أم الدنيا) كما يفعل الآخرون ، فغالبيتهم يتناولونها بصخب الفن و سطحية الشعارات ، و كأنها مجرد مشهد عابر في فيلم طويل ، أما أنا فأريد الحديث عنها بما يليق بها كأمة عظيمة ، صنعت التاريخ ، و وهبت الدنيا رجالاً عظماء ، فلا يتم إختزالها في صورة ، ولا تحاصرها أكليشيهات ، فمصر هي مصر ، و ما أدراك ما مصر ؟ .. فهي ليست كلمة عابرة في دفتر أحوال الجغرافيا ، و لا هي رقم على خارطة التاريخ ، و أنما هي كائن حي نابض بالحياة ، فهي قلب الزمان إن أردنا ذلك ، و نواة الوجود حين تتهجى البشرية حروف نشأتها الأولى .

كثيرون من الناس إذا سمعوا عبارة (مصر أم الدنيا) ، ظنوه تعبيراً عن قدم حضارتها ، أو علو أهراماتها ، أو زخرف ملوكها ، أو سطوة التاريخ ، و ما علموا أن المعنى أعمق بكثير من تلك الظواهر ، و ألصق بالجوهر الأصيل .

(فأم الدنيا) ليست حجارة ناطقة ، ولا نقوشاً باهرةً ، بل هي امرأة حملت الحياة في رحمها ، و وهبت النور للوجود .

فمصر هي هاجر أم إسماعيل عليه افضل الصلاة و السلام، تلك المصرية المؤمنة ، التي شقت ببكائها ماء زمزم ، وسعت بين الصفا والمروة فرضة خالدة ، لتروِي نسل إبراهيم عليه السلام ، وتعانق المجد بسعيها .

و مصر هي ماريا القبطية ، أم إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، التي احتضنت بيت النبوة بلين وعفة ، فجعلها الله من نساء الجنة ، شرفاً لمصر أن تكون أمّا لابن من نسله كان خاتم النبيين .

ثم مصر هي كل امرأة مصرية بسيطة ، شقت طريق الحياة بعرق الجبين ، و ربت ، و علمت ، و خرجت أمماً ، وذرأَت أجيالاً ملأت بهم الأرض علماً و نوراً ، إنها أم الشيخ الطنطاوي و الجوهري ، و عبد الحميد كشك و الشعراوي ، و القرضاوي و محمد عبده و الشيخ ناصر ، و هي كذلك أم أبو كامل شجاع بن أسلم ، وأحمد زكي أبو شادي و أحمد زويل و السعفان و أشرف منصور و أمل أمين ، و هي أم كل عالم حمل في جعبته قبساً من نور الله ، وصوتاً من ضمير الأمة .

أم الدنيا لم يأتي ذكرها ككنيةً على سبيل التفضيل ، بل هي حقيقة مسطورة في الوجدان ، و محفورةٌ على صفحة إنسان يعرف قيمة مصر التي تنبض مع كل صرخة طفل في حاراتها ، وكل دعاءِ أم تسبح في ليالي الألم ، وكل شهقة عالِمٍ يضيء الكونَ من محراب علم نشأ في رحابها .

فمصر أم للدنيا لأن شهرتها تحققت بصلاح أمهاتها اللائي ولدن العلماء الافذاذ ، و صلاح المرأة في اي مجتمع يعني صلاح الدنيا و الآخرة ، و فسادها يعني فساد كل شيء ، فنساء مصر لا يلِدن أطفالاً فقط ، و أنما يلدن أمماً ، و مصر ترضع أبناءها عزةً ، وتهدهدهم بأناشيد الفخر ، وتلقنهم مع اللبن حب الأرض ، وحكمة الأولين .

فمصر يا سادة لا تقاس بأهراماتها و إن علت ، و لا توزن بنيلها و إن جرى بإنسياب دون إنقطاع ، فمقياس مصر الحقيقي بصلاح نسائها و بأمهاتها اللائي ولدن عظماء الرجال ، و ربينهم ، و زرعن فيهم أخلاقاً حميدة ، فسموا بها و كانوا بعطائهم أقرب للسماء علواً .

الإعلام المصري ، عبر تاريخه الطويل ركز على الجوانب الفنية ، و استعرض في واجهته الراقصات ، و الممثلات ، و نجوم الشاشات ، حتى كادت صورة مصر تختزل في مشهد سينمائي أو رقصة استعراضية ، و مع كامل الاحترام لأهل الفن ، و لكنهم لا يمثلون جوهر هذا البلد العريق ، فمصر أوسع من عدسة كاميرا ، وأعمق من مشهد تمثيلي ، فهي دولة عظيمة ، ذات رصيد حضاري ، و بشري قل نظيره .

مصر هي التي أنجبت علماء ملأوا الدنيا علماً ، و مفكرين أناروا العقول ، ودعاة حملوا رسالة الإسلام إلى الآفاق ، و مخترعين ، و أطباء ، و مهندسين كان لهم في كل ميدان بصمة وسبق ، فلا تحصروا مصر في ملفات الفن و اللهو ، فهي منجم طاقات بشرية لا ينضب ، و نهر عطاءٍ لا يغيض ، وعقل الأمة وروحها إذا جد الجد و استفز التاريخ .

وكم عدد هؤلاء ؟ ، ألف ؟ ، ألفان ؟ ، بل قل مليوناً ، أو أضعاف ذلك ، فمصر ليست بلداً محدود العطاء ، بل إنها تمثل أمة في ثوب دولة ، يقطنها ما يقرب من مئة و أربعين مليوناً ، كل واحدٍ منهم يمثل مشروع عقل مدبر و مفكر ، أو يد عاملة، أو قلب نابض بحب الوطن و الدين و الإنسانية ، ففي كل حارة من حواريها عالم ، وفي كل قرية من قراها نابغة ، و في كل بيت من بيوتها أم تصنع رجالاً ، فمصر ليست محض رقم سكاني تنطقه المعلومات ، و لكنها تعتبر من أهم الموارد البشرية التي قلّ أن يوجد له مثيل ، و التي يفيض علمائها على الأمة العربية و الإسلامية بخبراتهم وكفاءاتهم ، فتجدهم حيثما حلت بذور النماء ، فكيف نختزلها في مشهد راقصة ، أو نسجنها خلف كواليس الفن ؟ ، فمصر طاقة أمة متفجرة ، لا تختصر في صورة ولا تؤرخ في مشهد عابر .

فمن أراد أن يتحدث عن مصر ، فليتطهر أولاً ، و ليتمضمض ثلاثاً ، وذلك تطهيراً للسانه قبل أن يلفظ اسمها ، فهي ليست كأي وطن يذكر ، لأنها دولة لها في القلب قداسة ، وفي الوجدان مهابة ، و في التاريخ مقام رفيع ، فمصر ليست محض دولة على خارطة العالم ، بل هي فكرة ، و رسالة ، و ميراث حضارةٍ صنعها الأتقياء و الشرفاء ، و الأحرار ، و شعبها الأبي الأصيل ليس حشداً من الناس ، أو حشواً من العابرين ، فالشعب المصري هم أحفاد الصحابة ، وأبناء الذين واجهوا الطغاة وكسروا القيود ، فليصمت من لا يعرف قدر مصر ، أو فليطهر فاهُ قبل أن يتجرأ على الحديث عن أم الدنيا .

و الله من وراء القصد و هو الهادي إلى سواء السبيل

مقالات ذات صلة

منتخب مصر إلى دور الثمانية بعد فوزه على بنين

حقق المنتخب المصري فوزا على منتخب بنين 3 - 1 في بطولة أفريقيا ليصعد الفراعنة إلى ربع النهائي...

مجلس الوزراء يتبني توصيات ندوة الدبلوماسية الشعبية

أكد ممثل الأمانة العامة لمجلس الوزراء د. آدم الزبير تبنيهم توصيات ندوة ” دورة الدبلوماسية الشعبية في معركة...

من معبر أشكيت.. مدير عام قوات الجمارك يؤكد وقوف قواته مع القوات المسلحة وتسهيل حركة التجارة والعودة الطوعية للركاب

من معبر أشكيت.. مدير عام قوات الجمارك يؤكد وقوف قواته مع القوات المسلحة وتسهيل حركة التجارة والعودة الطوعية...