فصل الخطاب
بقلم: عثمان البلولة
الرباعية الدولية والسودان: أمل مؤجل أم تكتيك لتعميق التشظي؟
من بين ركام الحرب الممتدة في السودان، التي دمرت الدولة وتفكك معها النسيج الاجتماعي والمؤسساتي، لا يزال جزء معتبر من الرأي العام السوداني – وخاصة النخبة السياسية والمدنية – يعلّق آماله على ما يُعرف بـ”الرباعية الدولية”، المؤلفة من الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، السعودية، والإمارات. هذه الآلية التي تصدّرت واجهة التوسط في النزاع، تحولت مع الوقت إلى “مركز ثقل دبلوماسي”، أو لنقل “مرآة مكبرة” لتعقيدات المشهد السوداني والإقليمي والدولي على حد سواء.
لكن، ماذا تعني هذه “الآمال المعلّقة”؟ وهل تمثل الرباعية بالفعل فرصة إنقاذ، أم مجرد مظلة لإدارة الأزمة لا إنهائها؟ الأهم: هل تعكس هذه المراهنة وعيًا استراتيجيًا سودانيًا، أم يأسًا جماعيًا بعد انكسار كل روافع الداخل؟
أدوار الرباعية: الوسيط، الضامن، أم المصمّم؟
من الناحية النظرية، جاءت الرباعية كآلية لدعم التحول المدني الديمقراطي في السودان بعد الثورة، ثم سرعان ما تحولت إلى إطار تنسيقي للتعامل مع النزاع بين الجيش والدعم السريع. لكن واقع الحال يُظهر أنها تجاوزت دور “الوسيط المحايد”، وأصبحت طرفًا مؤثرًا – بدرجات متفاوتة – في هندسة ميزان القوى، سواء عبر الدعم غير المباشر، أو إدارة خطوط الاتصال الخلفية مع أطراف النزاع.
السعودية والإمارات مثلًا، ليستا مجرد راعيتين للمفاوضات، بل فاعلان إقليميان لديهما ارتباطات متداخلة مع أطراف الأزمة. الولايات المتحدة وبريطانيا، من جهتهما، تحاولان ضبط إيقاع المشهد دون تكلفة مباشرة، فيما تتقاطع مصالحهم جميعًا في منع انهيار السودان التام، لكن دون اتفاق على شكل المستقبل.
السودانيون والرباعية: المراهنة في غياب البدائل
في ظل تآكل مؤسسات الدولة، وتحوّل القوى المدنية إلى معسكرات منقسمة، وتخندق العسكر في حرب صفرية، أصبحت “الرباعية” – بالنسبة لكثير من السودانيين – الفاعل الوحيد القادر على كبح الانزلاق التام. إنها ليست خيارًا مثاليًا، بل الخيار الوحيد المتاح.
لكن هذه المراهنة – إذا لم تُضبط وعيًا وتحليلًا – قد تتحول إلى ما يشبه “الانتظار السلبي”، حيث يظن البعض أن تسوية ما ستأتي من الخارج، دون أن يتورط الداخل في صناعة الشروط أو إعادة تنظيم قواه.
في الحقيقة، لا تحمل الرباعية مشروعًا متكاملاً للحل، بقدر ما تُدير الأزمة بمنهج “إطفاء الحرائق المرحلي”. هذا ما يفسر تعدد جولات التفاوض وانهيارها المتكرر، كما يفسر إحجام الرباعية عن تسمية الأشياء بمسمياتها، أو تحميل أي طرف مسؤولية محددة.
توظيف الأزمة: هل تسعى الرباعية لتجميد الصراع أم إعادة تشكيل السودان؟
ثمة من يرى أن الرباعية – أو بعض أطرافها تحديدًا – لا تتحرك بدافع “المسؤولية الأخلاقية أو الإنسانية”، وإنما في إطار حسابات النفوذ والموارد والتحكم في السودان الجيوسياسي. بعبارة أخرى: الرباعية لا تسعى فقط إلى “وقف الحرب”، بل ربما إلى إعادة صياغة السودان وفق توازنات إقليمية جديدة، تحفظ للدول الأربع نفوذًا مستقرًا في قلب القارة، وتمنع تمدد منافسين مثل روسيا أو إيران أو حتى تركيا.
هنا تكمن خطورة الرهان الكلي على الرباعية: أنها قد تقدم “تسوية شكلية” تضمن هدنة بلا عدالة، وسلامًا بلا دولة، فتنتج نظامًا هجينًا هشًا، مفرغًا من شروط الاستقرار الحقيقي.
نحو أفق بديل: من الأمل المعلّق إلى الفعل السياسي
لكي تتحول آمال السودانيين من مجرد رجاء خارجي إلى مسار سياسي ناضج، لا بد من مراجعة جوهرية للموقف من الرباعية. المطلوب ليس رفضها ولا التسليم لها، بل إعادة تعريف العلاقة معها من موقع الندية والمصلحة الوطنية. ويتطلب ذلك من القوى المدنية والعسكرية الجادة، بناء تحالف وطني يملك رؤية سودانية للحل، لا مجرد مطالب مجزأة تنتظر من “الرباعية” أن تجمعها.
المبادرات الوطنية، مهما كانت ضعيفة، يمكن أن تفرض واقعًا على طاولة المفاوضات إذا ما امتلكت قاعدة دعم شعبي وخطة استراتيجية محكمة. أما انتظار المعجزات من الخارج، فهو ضرب من العجز المقنّع.
بين توازنات الرباعية وخيارات السودانيين
في المحصلة، فإن الرباعية الدولية ليست كيانًا واحدًا متماسكًا، بل إطار سياسي تحكمه الحسابات والمصالح. وهي لن تقدم على ما لا يخدم تلك المصالح، ما لم تجد ضغطًا شعبيًا وسياسيًا سودانيًا يعيد تشكيل المشهد من الداخل.
آمال السودانيين ليست عيبًا، لكنها لن تتحول إلى واقع ما لم تتحوّل إلى فعل تاريخي. والتاريخ – كما علمتنا الثورات – لا يصنعه الوسطاء، بل تصنعه الشعوب حين تقرر أن تكون رقمًا صعبًا في معادلة المصير.
