فصل الخطاب
بقلم: عثمان البلولة
حين نصبح أسرى الأزمات المصنوعة
يحكى أن رجلاً ضاقت به جدران غرفة واحدة تجمعه بزوجته وأبنائه الستة، ووالدته، وأم زوجته. تآكل صبره، فشكا إلى صديقٍ حاله عساه يجد عنده سبيلاً للفرج. لكن الصديق لم يمنحه مخرجاً، بل دسّ له مكيدة؛ أمره أن يدخل حماراً إلى الغرفة. فلما عاد في اليوم التالي، كان الضيق قد اشتد حتى كاد يطبق على أنفاسهم. عندها أوصاه أن يزيد الأمر سوءاً بخروف، ثم دجاجة، حتى تحوّل البيت إلى جحيم لا يُطاق. ثم، وبإيماءة ماكرة، أمره أن يخرج الحمار، ثم الخروف، ثم الدجاجة. فإذا بالرجل يهلّل قائلاً: (الحمد لله، لقد تبدل الحال إلى أحسن حال).
هذه الحكاية البسيطة تلخص مأساتنا في السودان مع القوى الخارجية. فكما دُفع ذلك الرجل إلى نسيان ضيقه الأول حين غُمر بمصائب أكبر، دُفعنا نحن إلى تناسي أوجاعنا الأصيلة حين غُمرنا بأزمات مفتعلة، مصنوعة بعناية، متوالية كالأمواج، حتى بتنا نتعلق بفتات الاستقرار وكأنه نعمة، ونقارن حاضرنا الكارثي بماضٍ كنا نصفه بالسيئ فإذا به يبدو رحمة.
إنها السياسة ذاتها التي تنسجها دوائر الغرب وتُنفذها أيادي الإقليم: إغراق الشعوب في جراحٍ لا تلتئم، حتى لا ترى أصل النزف. تُدار بلادنا كأنها مسرح لتجارب الآخرين؛ تُزرع الفتن، تُنصب الحروب، وتُقاد العقول إلى الاعتقاد بأن الخلاص مرهون برضا الخارج، لا بقدرة الداخل.
لكن السودان ليس ضيعةً تُدار عن بُعد، ولا غرفةً ضيقة يُعبث بساكنيها. هو وطن عريق، له جذوره في عمق التاريخ وامتداده في وجدان شعبه. آن أن ندرك أن الحمار والخروف والدجاجة لم تكن سوى أقنعة لألاعيب المصالح، وأن السيادة لا تُشترى من وراء البحار، ولا تُستعاد بوعود المانحين، بل تُنتزع انتزاعاً بإرادة الشعب وتماسك جبهته الداخلية.
لقد آن لنا أن نمزق هذه اللعبة الرديئة، أن نفضح صانعيها، وأن نعلن بلا مواربة: كفى عبثاً، السودان ليس ساحةً لحروبكم، ولن يكون مختبراً لمشاريعكم. فإما أن نكسر السلسلة بأيدينا، أو نظل ندور في القصة ذاتها، حتى نصحو يوماً فنكتشف أننا بعنا الوطن نفسه في سوق الأزمات المصنوعة.
