زاوية خاصة
نايلة علي محمد الخليفة
عُمدة البرش
يُحكى أن أحد العُمَد في إحدى القرى السودانية ، كان لا يجلس على الكرسي ولا على الكنبة الوثيرة في الديوان ، بل يفضل أن يجلس ويمدد رجليه على برش في ظلّ شجرة نيمٍ كبيرة عند مدخل القرية ، ويجلس بين الناس يسمع شكواهم كما يسمع أحدهم حديث جاره في المساء ، كان أهل القرية يقولون عنه العمدة ما بيزورنا في بيوتنا ، دا ساكن معانا سُكنة ، لأنهم كانوا يرونه في الأسواق ، وفي مورد المياه ، وفي المدارس، وفي الحقول وقت الحصاد ،
لم يكن يحتاج إلى مصوّر ، ولا إلى بيان صحفي ، ولا إلى بوست في صفحة رسمية أو شخصية ، فقد كانت سيرته تمشي أمامه ، وفعله يسبق قوله ، تلك الحكاية تختصر الفرق بين المسؤول الحقيقي ، و المسؤول الذي يعيش على فلاشات الكاميرات ، لست في حاجة لذكر اسماء وقوائم ، ولكن لأؤلئك قللوا من الإطلالات، واكثروا من الفعل والإنجازات.
اليوم في زمن الحرب والضيق وشظف العيش ، صار بعض التنفيذيين يمارسون نوعًا من “الترف الإعلامي المهرج” وسط الفقر العام ، فإن حضر أحدهم مناسبة “عقيقة” أو تخريج رياض اطفال ، تتبعته كاميرات الإعلام الرسمي والخاص ، وأُفرغت له المايكروفونات ، وبدأت التصريحات المسرحية التي لا تُشبع جائعًا ولا تروي ظمآنًا ، حتى صارت نشرات الأخبار كأنها دراما يومية منقطعة النظير ، تكرّم الحضور والابتسامات وقطع الشرائط أكثر من تكريم الإنجاز الفعلي.
المواطن السوداني وقد أرهقته الحرب وغلاء المعيشة ، لا ينتظر أن يسمع أن فلانًا زار ، وفلانًا صرّح ، وفلانًا اجتمع ، هو ينتظر الكهرباء في بيته ، والماء في الحنفية “الماسورة “، والدقيق في المتجر ، والدواء في المشفى، ينتظر أن يرى آثار المسؤول في الشارع العام ، لا على الشاشة والمواقع ، ولا في مراوح الكاميرات التي تلمّع الوجه بلا هواء حقيقي.
المسؤول الحقيقي هو الذي يكرّس وقته للعمل الميداني ، يتفقد أحوال من جعله الله مكلفًا برعايتهم ، يسأل لا ليُجيب ، بل ليُصلح ويُقَوِم ويوجه ،
هو الذي يعرف أن المنصب ليس وسادة نوم ناعمة ، بل أمانة تُثقل الكاهل ، هو الذي لا يطلب الكاميرا ، بل تلاحقه الألسن بالدعاء لما أنجز ، لا بما صرّح.
أما أولئك الذين يقيسون نجاحهم بعدد الصور واللقاءات والتقارير التلفزيونية ، فهم كمن يحرث في البحر ، صوتهم عالٍ وإنجازهم غائب ، والناس تعرف الفرق جيدًا ، فالكاميرا قد تلمّع الوجوه ، لكنها لا تُنير الطرق ، ولا تُروّي عطش الناس ولا تشبع جوعهم ، ولا تُدفئ بيوتهم.
لقد علمتنا تجارب السنين أن الإداري الناجح لا يحتاج إلى ضوضاء ، فالأثر أبلغ من التصريح ، والمواطن حين يرى النور في حيه والماء في بيته يقول في صمت ، ربنا يوفق الزول القاعد في الكرسي فلولاه لما كان هذا.
وفي السودان الإنجازات لا تكذب ، كل مسؤول اختار أن يكون مثل العمدة الذي يجلس على البرش ، يصبح اسمه في ذاكرة الناس حتى بعد رحيله ، وما سيرة الراحل محمد طاهر إيلا ببعيدة عن الأذهان ، أما من عاش بين التصريحات والبيانات والمرافقين ، اختفى اسمه مع آخر نشرة أخبار ، تاركًا خلفه لوحة إعلامية براقة ، بلا روح ولا أثر حقيقي في حياة الناس….لنا عودة.
