زاوية خاصة
نايلة علي محمد الخليفة
ما هكذا تُورد الإبل يا مستشار
في صباح من تلك الصباحات التي تحمل شيئًا من الدعابة وشيئًا من الحكمة ، وجد خالي شقيق الوالدة نفسه أمام مشهد طريف ، ماعز غريبة داهمتها آلام المخاض أمام داره ، فولدت توأمًا فأرضعت صغارها ثم اختفت ، وعادت مرة أخرى بين الحنين إلى دارها وصغارها ، احتار كيف يصل إلى صاحبها ، ثم اهتدى إلى حيلة بسيطة ولكنها عبقرية في بساطتها ، ربط على عنقها قلادة كتب عليها رقم هاتفه ، فغابت الماعز قليلًا ، وما هي إلا لحظات من الزمن حتى رن هاتفه ، تواصل معه أصحابها ، فأرشدهم إلى موقعه ، جاؤوا شاكرين فأخذوا الماعز بتوأمها.
أعجبته الفكرة فقال ، لِمَ لا أكررها مع نعجتي ، التي يطلقها كل نهار لترعى من خشاش الارض وتعود مساءً ، وعلّق على عنقها قلادة تحمل اسمه ورقم هاتفه أملاً بأن تحفظها الفكرة إن تاهت ، لكنه في هذه المرة لم يحصد شيئًا من الحكمة والأمانة التي تعامل بها ، فقد خرجت النعجة ذات يوم ولم تعد إلى يومنا هذا.
بين قصة الماعز التي عادت لأصحابها لأن خالي تعامل وفقا لأمانته وصدقه ، وبين نعجته التي تاهت لأنها لم تقع في يدٍ امينة ، يكمن الفرق بين من يحفظ الأمانة ومن يضيّعها ، وهذه المفارقة ليست مجرد حكاية وطرفة للدعابة ، بل صورة مصغّرة لما يجري داخل الوسط الصحفي والإعلامي اليوم .
عندما وقع الإختيار على الأستاذ خالد الإعيسر وزيرًا للإعلام ، كان الوسط الصحفي أكثر ميلاً للإرتياح منه للتحفظ ، سعت قبيلة الإعلام و الصحافة جاهدة لإعادته إلى الوزارة ضمن حكومة كامل إدريس رغم انتزاع أهم صلاحية منها ، كونها ناطقة باسم الحكومة ، ومع ذلك ، وقفت قبيلة الإعلام معه أملاً في ان يعيد ترتيب البيت الإعلامي رغم ما ورثه من تعقيدات ومشكلات ، وأثبت الإعيسر في تعامله مع زملاء المهنة أنه أكبر من المناكفات رغم محاولات البعض جره لذلك ، وأرقى من الوقوف على تلال الأخطاء ، يكفي اعتذاره أمس للصحفي عزمي عبد الرازق عن خطأ خبر “سونا” ليؤكد أن الاعتذار شيمة الكبار ، وأن المهنية تُحصّن صاحبها ولا تُضعفه.
الإعيسر هنا يشبه الشطر الأول من الحكاية ، رجل يحفظ الأمانة ويعيد الحق لأهله ، ويعرف أن الطريق لا يُقطع بالعناد بل بالعدل.
وعلى الجهة الأخرى ، أثار اختيار الصحفي محمد محمد خير مستشارًا لرئيس الوزراء ، جدلًا واسعًا داخل الوسط الصحفي ، بين مؤيد ورافض للفكرة ، لم ينبع الرفض لدى من رفضوا من غيرة أو حسد كما يشاع ، بل من القلق على حالته الصحية ، وقدرته على القيام بدوره ، الذي يتطلب سعة صدر واتزانًا وضبطًا للنفس.
لكن ما حدث بعد جلوسه على مقعد الإستشارية أثبت أن المشكلة ليست في الصحة وحدها ، بل في منهج التعامل مع المهنة ، فقد واصل ذات التسجيلات الحادة التي اعتادت عليها الميديا ، ولم يغيّر موقعه الجديد شيئًا من طريقته القديمة ، ثم تجاوز حدود التكليف عندما أساء للصحفيين حسين ملاسي في وقت سابق وعزمي عبد الرازق ، بعد نشر الأخير معلومة حول خروج رئيس الوزراء كامل إدريس من البلاد ، المعلومة التي اوردها عزمي هي ضمن صميم عمل أي صحفي محترف ، قُوبلت ببيان يصف الصحفي بأنه “قلم مأجور” ، وهو بيان واضح أن المستشار يقف خلفه ، بل وأكده لاحقًا في تسجيل آخر .
هنا تاهت النعجة ، فبدل أن يكون المستشار حارسًا للمهنة وضابطًا للإيقاع ، صار مصدرًا للأزمة ، وبدل أن يطبّق حكمته المستمدة من موقعه وسنوات خبرته الصحفية ، اختار طريق المواجهة والتخوين ، وهو طريق لا يليق بمستشار ولا يخدم مؤسسة رسمية ، بل جعلته هذه المواجهة صغيراً في أعين الصحفيين والرأي العام .
القوانين التي تحفظ حقوق الصحفيين ليست ديكورًا ، لكنها أدوات لحماية حق المجتمع كله في المعرفة ، فالقوانين السودانية تضمن للصحفي حق الوصول للمعلومات ، وحمايته من التشهير والترهيب ، ومن التضييق أو العقوبات التعسفية ، وما حدث هو اهانة لصحفي لأنه كشف معلومة صحيحة ، وما حدث ليس مجرد تعدٍّ لفظي ، بل خرق للقانون ، وتشويه لسمعة الدولة نفسها قبل الصحفي.
أن تصف صحفي بأنه مأجور لمجرد أدائه لواجبه هو سلوك لا يشبه وظيفة “مستشار” ، ولا يليق بمكتب رئيس الوزراء ، ولا يخدم المصلحة الوطنية.
ونحن اليوم في حرب كرامة حرب وجود ، والصحفيون فيها خط الدفاع الأول إعلاميًا ، ينقلون ما يُحجب ، يكشفون ما يُخفى ، ويوصلون الحقيقة للمواطن في زمن الخلط والتضليل ، هؤلاء لا يُحاصرون بالبيانات ولا يُرمون بالشتائم ، الحكمة تقتضي أن يُحترم قلمهم ، لا أن يُعنف و يُكسر ، وأن يُصان دورهم لا أن يُشوّه.
لو إستلهم المستشار درس خالي في قصة الماعز ، لعرف أن الأمانة تعود دائمًا لصاحبها ، وأن حسن التعامل يعود خيرًا مضاعفًا لصاحبه ، ولو تجنّب خطأ النعجة ، لما ضاع موقعه الأخلاقي في أول اختبار .
ما تحتاجه البلاد اليوم ليس تسجيلات غاضبة ، ولا بيانات تشهيرية ، بل احترام للمهنة ، واحترام للقانون ، واحترام لجنود الكلمة الذين يقفون على متاريس الحقيقة ، ففي الحرب لا يجوز أن نطلق النار على من يحمل القلم ، بل يجب أن نصونه ونحفظ حقوقه ، فهو بعد الله الحائط الأخير الذي يحمي الحقيقة… لنا عودة.
